30/05/2026
منذ 4 سنوات ذكرت في محاضرة انّ تقنية ال BIM بطريقها لوضع لتقييم بناءً على بارمترات محددة متعلقة بالاستدامة ومتطلبات العمارة الخضراء وغير ذلك.. وليس فقط حسب خبرات وأذواق لجان التحكيم التي نقدرها ونحترمها طبعاً، واليوم يظهر ال AI كأداة حاسمة في هذه الجدلية .
-------------------------
التالي حدث خلال مشروع لتخرج طالب عمارة في الجامعة الأمريكية بالأردن:
زلزال مدمّر اصابنا في خامسة عمارة ...
لوحات ... مُولَّدة ... مُحاكاة رقمية لمشاهد واقعية ... تمتد على طول حائط قاعة المعرض.
تسعة أمتار من الترف البصري المطبوع على ورق فاخر تفوح منه رائحة حبر طابعات طازج.
طاولة خشبية عجوز ...
بهيكل يجاهد ليتماسك ...
و هو ...
وقف هناك ...
طالب السنة الخامسة..
هادئاً بشكل مستفز،
يرتدي قميصاً أسوداً بسيطاً،
لا يرتبك...
ضيافة تقليدية ... تتيح لُقَيمات تساعد لجنة تحكيم على تخفيف جفاف حلق انهكه جدال طال.
تموضعتُ أنا في المنتصف كرئيس لجنة، يملؤني زهو عقود من التدريس والخبرة...
نظرت بتمعن في لوحته ...
و نبشت في ذاكرتي كل ما اعرفه عن تراث بلادنا في محاولة لالتقاط ثغرة ... ولكنها لم تكن موجودة...
تفاصيل غاية في الاتقان حد الألم ...
مثالية مثل قِيم عُليا ...
كل شيء مضبوط...
حتى العشوائية...
قلت له بنبرة الدكتور المحقق الواثق:
— "مشروعك مبهر بصرياً يا بني ...
و لكن ... صارحني بأمانة ...
هل أنت من صمّمه فعلياً؟"
نظر في عيني مباشرة نظرة من قرر الاشتباك ...
و أجاب بلا تردد و بنبرة واثقة لا تحمل أي شعور بالذنب:
— "بمساعدة الذكاء الاصطناعي."
سقطت حبة المعمول من يد الدكتور المحكّم عن يميني..
ساد القاعة صمت مطبق
صمت ثقيل يشبه صمت الحجر.
أكمل الطالب ببرود:
— "درّبته على تفكيك ألف صورة للعمارة التراثية في بلادنا.. وطلبت منه تفكيك الجينات الثقافية لإنتاج هوية محلية جديدة."
نظرتُ إلى اللوحات مجدداً..
كانت هناك قرية حجرية تشبه مدينتنا، متسلقة للجبل بعفوية مذهلة.. و مثالية مزعجة.
كل حجر موضوع بزاوية مدروسة، حتى فوضى نقش الحجر و تشققات الجدران كانت مضبوطة بدقة مرعبة!
شعرت لحظتها بطعنة في كبريائي الاكاديمي، لكنني لم أعرف أين أصابتني.
قلت له محاولاً ترميم هيبة اللجنة أمام قسوة الموقف:
— "هذه ليست هوية يا بني.. هذه مجرد محاكاة إحصائية باردة للهوية."
ابتسم الطالب ابتسامة خفيفة، وسألني سؤالاً هز أركاني:
— "وما الفرق يا دكتور؟"
(في داخلي، صرخت صرخة مكتومة: ما الفرق؟...
هل سأل ... ما الفرق ؟...
أين تاه هذا الطالب حتى بات يساوينا بآلة؟
هل ضاعت ثلاثون سنة من عمري في قراءة الكتب لتأتي خوارزمية وتختصرها في كبسة زر؟
هذا حال مريب في زمن عجيب...
يجب قطع هذا الصمت ... الآن ... قبل أن تضيع السيطرة على القاعة!)
وكانه سمع افكاري ... تدارك المحكّم الآخر الموقف وقطع هو الصمت ساخراً:
— "الفرق أن أجدادنا بنوا هذه الهوية بأرواحهم، بأزقّتهم الضيقة ... وجدرانهم السميكة ... وقبابهم!"
التفت إليه الطالب وكانه كان ينتظر هذا الرد بالتحديد،
أخرج من حقيبته حاسوبه المحمول... أضاءه ...
وبدأ ينقر بمهارة عازف على لوحة المفاتيح و كأنه يقذف بالسؤال الى المجهول ...
ثم قرأ ما ظهر بثقة مقلقة:
— "الأزقة الضيقة في تراثنا؟
كانت هروبا من قيظ شمس الصيف و غزوات الأعداء.
الجدران السميكة؟
فقر تقني في مواد العزل.
القباب؟
حلول إنشائية رخيصة لغياب حديد التسليح!"
ثم نظر إليّ باقتناع تام و ألقى علي قنبلته:
— "الأجداد لم يبنوا "هوية" ليتغنّى بها الأكاديميون في قاعات مكيفة...
الأجداد استجابوا لضرورات بيئية وأمنية قاسية..
أنا أفعل الشيء نفسه اليوم، لكن بأداة أذكى وأسرع من مجموعة عقول مجتمعة."
كلامه كان حقيقياً وصادماً...
وهذا تحديداً ما وتّرني و جعل عروق رقبتي تبرز نافرة!
قلت له بحدة من يخرج أعتى أسلحته:
— "لكن الذكاء الاصطناعي لا يفهم "المعنى" الإنساني!"
رد فوراً وبدون أن يرمش:
— "وهل نحن المعماريون نفهم المعنى حقا؟
أم نكرر نماذج حفظناها في الجامعات لتوافق ذوق لجان التقييم ليتم منحنا الامتياز؟"
ثم نقر على زر في حاسوبه..
انفتحت الشاشة الكبيرة خلفه لتستعرض مئات التصاميم التراثية البديلة في ثوانٍ..
تصاميم كانت، وأقولها بمرارة، أفضل وأعمق من كل ما عاصرته أنا طوال مسيرتي المهنية!
تابع الطالب هجومه الشرس قائلا:
— "ربما لأول مرة في تاريخ العمارة، نستطيع تحليل الهوية و اعادة تركيبها توليدياً، بدل تقديسها الأعمى كصنم."
قلت له محاولا اخفاء ارتجافة التحفز في صوتي:
— "أنت تلغي الإنسان... تستبدل وعي المعماري بخوارزمية صماء."
هز رأسه نافياً:
— "لا يا دكتور.. أنا أستبدل "ذوق الفرد الأناني والمتحيز"، بذاكرة ملايين المباني التي عاش فيها البشر..."
ثم اشار اليّ محررا سبابته من قبضة يده اليمنى المغلقة المتأرجحة باتجاهي ...
و هز يده في الفضاء بيننا ...
بتكرار من يهوي بمطرقة مثابرة على رأس مسمار عنيد... وقال مخاطبا بلا اعتبار ...
" يا دكتور، هل "ذوقك" الذي تحاكمني به الآن هو حكمة مطلقة؟
أم مجرد تحيّز شخصي ونتاج جيل سبقنا سميناه مجازاً: خبرة؟"
وفي هذه اللحظة المباغته ...
اقترب الطالب من الطاولة، واستند ببراحتيه عليها، وسألني السؤال القاتل و هو يحدق في عيني...
السؤال الذي تمنيت قبل ان اسمعه لو اني درست الطب البشري بدل هندسة العمارة ...
...
قال:
— "إذا كان الذكاء الاصطناعي يصنع عمارة "أصيلة" أجمل، وأكفأ، وأقرب لروح الأرض من المعماري نفسه..
فهل دفاعنا المستميت عن الهوية هو دفاع عن التراث؟
أم دفاع عن حقنا كبشر في ادعاء الإبداع و احتكاره؟"
لحظتها وددت لو استطت أن أقول بصوت جهوري عالي: كلاهما يا متحذلق!
تخيلت نفسي أصرخ في وجه هذا الاقناع الشرس الواقف على هيئة طالب خريج ... انهى متطلبات درجته ... و لم يبقى لديه ما يخسره...
ثم تخيلت نفسي أطرده من القاعة.
فحل الهدوء بهذا الانتصار المتوهم المزيف و استعذت بالمعوذات و تماسكت و سكتُّ...
شعرت بعدها بانقطاع الحيلة و اختفاء الحجة.
و تذكرت عندما سمعت الله يقول:
﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾
نعم، نحن اللجنة في العمارة...
تورطنا بمواجهة غريبة عجيبة...
و ما أصابنا كان هزيمة نكراء باديةٌ للعيان،
و ظهرنا نحاول إخفاء ما كنا نعرفه من البداية ..
تحيرنا ... ونظرنا الى بعضنا البعض...
ثم نظرنا معا الى باب الخروج بنفس اللحظة وحالنا يُرتّل:
﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾
و هيبتنا تجيب:
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾
ثم سكتنا جميعنا مندهشين أمام مقارعة رقمية ساحقة لا ينفع معها التلاعب بالألفاظ.
خيم السكوت على القاعة كلها.
بدأ الدكتور المحكّم على يساري يجمع أوراقه بعصبية...
وطالبة في الزاوية كانت تراجع مشروعها...
أغلقت حاسوبها المحمول ببطء ...
كأنها أدركت فجأة أن مستقبلها المهني بأكمله قد انتهى قبل أن يبدأ.
و أنا نظرت إلى لوحاته المثالية.
حاولت أن أتذكر.. متى كانت آخر مرة صممتُ فيها شيئاً أصلياً ينبع من روحي دون أن أقتبسه من كتاب أو مجلة؟
لم أتذكر...
أشرت إليه بيدي متنازلاً عن كبريائي على مضض...
وقلت له بصوت منخفض كمن يخشى أن يُسمع:
— "مشروعك ناجح... لكنه مرعب."
ابتسم الطالب بخيلاء ... رائعة ... استحقها بجدارة ...
وأغلق شاشة حاسوبه وهو يقول:
— "الرعب ليس من الآلة يا دكتور.. الرعب هو أن نكتشف أننا كنا طوال عقود نكرر نفس الأقواس والحجارة، ونظن أننا نصنع حضارة."
غادر الطالب القاعة بخطواته الواثقة من الباب ...
باب الخروج الذي لم نجرؤ على اجتيازه ...
وبقينا نحن في الداخل،
ثلاثة أساتذة ... بخبرات ممتدة،
نحدق بصمت في اللوحات المطبوعة..
و عقولنا المحتارة تضُجّ بسؤال...
هل هذا الطالب دمّر العمارة التي عشنا نحميها؟
أم أنه المعماري الوحيد في هذه القاعة الذي فهمها فعلاً؟
بروفيسور سامر الرتروت
------------------------
الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليلغي الإنسان، بل جاء ليستبدل "الأحكام الشخصية والتقليد المتوارث"، بذاكرة معرفية هائلة وتحليل جيني للتصميم.
• المهندس الذي يرفض التقنية: سيبقى مكانه يكرر الماضي ويدافع عن أدوات أصبحت جزءاً من التاريخ.
• المهندس الذكي: هو من يركب هذه الموجة، ويتعلم كيف يوجّه الآلة ويقود الخوارزميات ليصنع المستقبل.
في SBT Academy،
سعينا دوماً لنسلّحكم بأدوات المستقبل (BIM, VDC, and AI Tools).
------------------------